الرؤية

"نحن لا نرى بأعيننا؛ بل نرى بأدمغتنا." - جانيت نوردون

من بين جميع الأنظمة الحسية المتاحة لنا، تعد الرؤية [52، 57، 133] بلا شك الحاسة الأكثر تأثيراً في حياتنا. بفضل الرؤية يمكننا الملاحظة والتحليل والتفاعل بشكل صحيح مع العالم من حولنا؛ بدون الرؤية، ستوصد في وجوهنا نافذتنا الأولى التي نطل بها على هذا العالم.

الاستقبال:

التشريح:

العضو المستقبِل للرؤية هو العين (كرة العين) [43، 45]. يتكون هذا العضو الكروي من ثلاث طبقات [42]، وهي من الخارج إلى الداخل: الصلبةSclera ، والمشيميةChoroid ، والشبكيةRetina .

الصلبة (بياض العين) [146] هي غلاف أبيض قوي يحافظ على الضغط الداخلي ويحمي العين من التلف الميكانيكي. تستمر في الأمام كغلاف رقيق شفاف غير وعائي وغني بالتعصيب يسمى القرنية [64]، والتي تنتفخ في مقدمة كرة العين.

المشيمية [5، 64، 146]: غلاف أسود غني بالأوعية الدموية يغذي خلايا المستقبلات الضوئية في العين ويحافظ على داخل العين كغرفة مظلمة. تمتد المشيمية أماما بالجسم الهدبي Ciliary body [94، 122، 147] والقزحية Iris [133]، التي تمنحنا لون أعيننا وتحدد فتحة البؤبؤ. تُعرف هذه الهياكل الوعائية مجتمعة بالعنبية (Uvea) [72].

الشبكية [57]: غشاء رقيق يبلغ سمكه حوالي 0.5 مم [154] ويحتوي على تروية دموية عالية. هذا هو النسيج العصبي الذي يمتد إلى العصب البصري على مستوى القرص البصريOptic disc (الحليمة البصريةoptic Papilla ). الشبكية هي الجزء الحسي الذي يحتوي على خلايا المستقبلات الضوئية [39، 94].

خلف القزحية تقع العدسة (العدسة البلوريةCrystalline lens ) [99، 148]، وهي بنية شفافة ثنائية التحدب تشارك في تركيز أشعة الضوء على الشبكية.

بالداخل مواد تحافظ على شكل العين الكروي: أمام العدسة يوجد الخلط المائي Aqueous Humour [104، 148]، وهو سائل شفاف منخفض اللزوجة يغذي القرنية. وخلف العدسة يوجد الخلط الزجاجي Vitreous Humor [116، 148، 149]، وهي مادة هلامية شفافة تثبت الشبكية في مكانها مقابل جدار العين وتمتص كمية كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية.

بصريات:

القرنية هي أول سطح يجب أن يمر به الضوء ليصل إلى الشبكية؛ هي منحنية وبالتالي تساهم بشكل كبير في تجميع أشعة الضوء.

البؤبؤ هو الحجاب الحاجز للعين [52]؛ ينظم كمية الضوء الداخل عن طريق تغيير قطره استجابة لشدة الضوء، وذلك بفضل النظام العضلي المعاكس للقزحية Antagonistic Muscular System Of The Iris [150]: فالألياف الشعاعية توسع البؤبؤ، بينما الألياف الدائرية تضيقه.

العدسة هي الجزء الشيئي Objective العين [43]. شكلها ثنائي التحدب ومرونتها يسمحان لها بتعديل انحنائها للتركيز على الأجسام على مسافات مختلفة؛ وتسمى هذه الظاهرة المطابقة (Accommodation) [3].

تعمل العين ككاميرا [43] مع حجاب حاجز (البؤبؤ) [52] للتحكم التلقائي في التعريض، وجزء شيئي (القرنية والعدسة) [43] في وضع التركيز التلقائي، وسطح حساس للضوء (الشبكية). تركز الصورة الناتجة على الشبكية (في العين السوية البصر)، حيث يتم تصغيرها وقلبها.

الشبكية:

خلايا الشبكية:

تتكون الشبكية [3] (النسيج العصبي الذي ينشأ من الدماغ البيني أثناء التطور [41، 72]) أساساً من ثلاث طبقات من الخلايا العصبية [1، 70، 151]. من الداخل إلى الطبقة الخارجية للعين، نجد أولاً خلايا العقدة Ganglion cells [4، 99، 152]، التي تشكل محاورها العصب البصري؛ هناك حوالي مليون ليف في كل عين [75، 96، 133، 149، 152].

بعد ذلك تأتي الخلايا الثنائية القطب Bipolar cells [153]، التي تعمل كوسيط بين المستقبلات الضوئية وخلايا العقدة، مكونة الطبقة الوسيطة.

ومن المفارقات أن الخلايا العصبية المستقبلة للضوء [99] تشكل الطبقة الأبعد عن الضوء، لأنها على اتصال مباشر مع ظهارة المشيمية.

يوجد نوعان آخران من الخلايا العصبية أيضاً في الشبكية: الخلايا الأفقية والخلايا عديمة المحوار (Amacrine) [99]. تتداخل هذه الخلايا بين الطبقات الثلاث للشبكية وتساعد في تحسين التباين وتحديد الصورة المنقولة إلى الدماغ.

المستقبلات الضوئية:

هناك نوعان من خلايا المستقبلات الضوئية: المخاريط Cones والعصيRods . تحتوي كل عين بشرية على حوالي 125 مليون مستقبل ضوئي [99]، منها فقط 5 ملايين [75] مخروط.

المخاريط:

على الرغم من أنها أقل عدداً بكثير من العصي، إلا أن المخاريط هي التي تحدد حدة بصرنا [48]. تحتوي المنطقة المركزية من الشبكية (البقعةMacula ) [154] على منطقة مركزية تسمى النقرة Fovea [4، 39، 148] وهي خالية تماماً من العصي [38، 39]؛ لا يوجد في هذا المستوى سوى المخاريط.

توفر لنا المخاريط رؤية الألوان [1، 39] بفضل ثلاثة أصباغ (أوبسينات opsins [38]) حساسة للأزرق والأخضر والأحمر؛ حيث يحتوي كل مخروط بشكل تفضيلي على واحدة من هذه الأصباغ. وتسمح لنا المخاريط بإدراك تفاصيل الصورة [1، 39] لأن كل مخروط مرتبط بخلية ثنائية القطب واحدة، والتي بدورها مرتبطة بخلية عقدة واحدة [41].

العصي:

العصي [153] حساسة جدا للضوء [1]؛ حيث يمكن لعصية واحدة أن تمتص وتتفاعل مع فوتون واحد فقط [5، 41]! تحتوي العصي على صبغة أساسية تسمى الرودوبسين Rhodopsin [57]؛ حيث تحتوي كل عصية على حوالي 1,000 قرص يضم 40 مليون صبغة رودوبسين [155].

يحتوي الرودوبسين على جزيء (الريتينال، وهو مشتق من فيتامين أ [4، 42]) يتغير شكله كلما امتص الضوء، مما يسبب تفاعلاً متسلسلاً يؤدي إلى فرط استقطاب الغشاء وتحفيز الخلية ثنائية القطب.

تنتشر العصي بشكل رئيسي على أطراف الشبكية وتسمح لنا باكتشاف حركة الأجسام [149]. وحساسيتها العالية تتيح لنا الرؤية في الظلام (الرؤية العتمية/Scotopic) [41]، على عكس المخاريط التي توفر الرؤية الضوئية.

القرص البصري (الحليمة البصريةOptic Papilla ):

في فحص قاع العين [67]، تبدو المنطقة التي تتجمع فيها جميع ألياف الأعصاب لتشكيل العصب البصري واضحة جداً؛ تسمى هذه المنطقة القرص البصري (الحليمة البصرية) [148]. ونظراً لعدم وجود مستقبلات ضوئية في هذا المكان، فهي تعتبر نقطة عمياء blind spot [41]. لماذا مع ذلك لا نلاحظ أي فجوة في مجال رؤيتنا؟ الإجابة هي أن الدماغ يملأ المعلومات المفقودة باستخدام بيانات تُجمع من المناطق المحيطة [39].

الشبكية وأنصاف الحقول البصرية:

تنقسم الشبكية إلى جزأين [72]: الشبكية الأنفية Nasal Retina والشبكية الصدغيةTemporal Retina . بالمقابل، ينقسم المجال البصري أيضاً إلى نصفي حقلين، كل منهما يتوافق مع منطقة الشبكية التي تستقبله [41]. تتلقى شبكية الأنف للعين اليمنى والشبكية الصدغية للعين اليسرى الضوء من نصف الحقل البصري الأيمن، والعكس صحيح.

الإرسال:

تشكل جميع الألياف العصبية المنبثقة من خلايا العقدة العصب البصري [41، 116]. و هو العصب الوحيد في الجسم الذي ينتمي إلى الجهاز العصبي المركزي وليس للجهاز العصبي المحيطي [41].

من الناحية التشريحية، العصب البصري هو الوحيد المحاط بثلاث طبقات من السحايا [64]. ومن الناحية الجنينية، يتطور من الدماغ البيني [50]. وعلى المستوى الخلوي، لا يحتوي على خلايا شوان بل على خلايا الدبق قليلة التغصن، ولهذا السبب غالباً ما يتأثر بالتصلب المتعددMultiple-Sclerosis .

ينشأ العصب البصري من خلف العين وينتهي عند التصالب البصريOptic Chiasm ، فوق الغدة النخامية مباشرة.

التصالب البصري [119] هو نقطة تقاطع حيث تعبر ألياف كل شبكية أنفية الخط الأوسط لتلتحق بألياف من الشبكية الصدغية للعين المقابلة، مما يشكل زوجاً من المسارات البصريةOptic Tracts . ويحتوي كل مسار بصري على معلومات من نصف الحقل البصري المقابل [50].

تدور المسارات البصرية حول جذع الدماغ (السويقات المخية) وتصل إلى النوى الركبية الجانبية lateral geniculate nuclei للمهاد. من هناك، تنبعث عدة حزم من الألياف (الإشعاعات البصريةOptic Radiations ) [41، 149] على القشرة البصرية الأولية في الفص القذالي، وإلى جهات أخرى مثل الأكيمات العلوية superior colliculi في جذع الدماغ، حيث تتم معالجة ظواهر انعكاسية معينة.

الإدراك:

القشرة البصرية الأولية (Visual Cortex 1 / V1) (منطقة برودمان 17) [49، 73] الموجودة في الفص القذالي هي أول محطة قشرية للألياف العصبية في الجهاز البصري؛ وتقوم باستقبال المعلومات البصرية وتتولى معالجتها الأولية.

كل قشرة بصرية تحلل نصف الحقل البصري المقابل. هناك خريطة شبكية (Retinotopy) [5] مع مساحة كبيرة جداً من القشرة البصرية تتوافق مع المنطقة المركزية للبقعة (النقرة).

من القشرة البصرية الأولية (V1) Primary Visual Cortex، تنتقل ألياف عصبية أخرى إلى مناطق القشرة البصرية الثانوية [57]؛ حيث تشمل المنطقة البصرية الثانية (V2) التي تساهم في إدراك الأنماط المعقدة وتفسير الخطوط والزوايا، والمنطقة البصرية الثالثة (V3) المختصة بإدراك الأشكال الكلية قيد الحركة. كما تمتد الإشارات إلى المنطقة البصرية الرابعة (V4) المسؤولة بشكل أساسي عن معالجة وإدراك الألوان والتفاصيل الدقيقة للأجسام، وصولاً إلى المنطقة البصرية الخامسة (V5) المعروفة أيضاً بالمنطقة الصدغية الوسطى (MT) Middle Temporal Area، وهي المنطقة المتخصصة بشكل دقيق في تحليل حركة الأجسام وسرعتها واتجاهها في الفضاء [57].

تنبعث ألياف أخرى إلى مناطق بعيدة من القشرة تسمى المناطق الترابطية Associative Areas [57]. هناك نوعان رئيسيان من هذه المسارات [57]:

التيار الظهري (المسار "أين" أو مسار القذالي-الجداري): يحلل هذا النظام الحركة والعمق والاتجاه المكاني، مما يسمح بتحديد مواقع الأجسام.

التيار البطني (المسار "ماذا" أو مسار القذالي-الصدغي): يحلل الشكل واللون، مما يسمح بالتعرف على الأشياء وإدراكها.