الصرع
"يتلخص تاريخ الصرع في 4000 عام من الجهل والخرافات والوصم، يتبعها 100 عام من المعرفة والخرافات والوصم" Rajendra Kale ، 1997 [190].
نظرة عامة:
يأتي مصطلح الصرع (Epilepsy) من اللغة اليونانية، ويعني: الأخذ على حين غرة [186].
يعد الصرع [41، 69، 179، 185] حالة عصبية تتميز بتكرار النوبات التي تجمع بين:
- سريرياً: مظاهر حركية تونية رمعية (Tonic-clonic)، واضطرابات حسية ونباتية و/أو اضطراب في الوعي.
- تخطيط كهربية الدماغ: رسم بياني مميز لنشاط كهربائي نوبي [187].
يعتبر الصرع الحالة العصبية المزمنة الأكثر شيوعاً بعد الشقيقة Migraine [187]. وهو اعتلال حميد نسبياً في معظم الحالات، لكن تداعياته النفسية والعائلية والاجتماعية تفوق بكثير خطورة المرض نفسه.
يجب التأكيد على أن الصرع ليس مرضاً عقلياً [69]، كما هو سائد في المعتقدات الشعبية، حتى وإن كان من الممكن أن يصاحبه في بعض الحالات بعض الاضطرابات المعرفية والسلوكية.
الفيزيولوجيا المرضية:
تعد نوبة الصرع نتيجة سريرية لتفريغات نوبية مفرطة، مفرطة التزامن، وذاتية الاستمرار لمجموعة موسعة إلى حد ما من العصبونات الدماغية [75].
هذا التفريغ المتزامنSynchronized Discharge هو نتيجة خلل في التوازن بين آليات التثبيط Inhibitory والاستثارة Excitatory [188]، مما يفسر انطلاق نشاط عصبي مكثف وغير منظم. هذا النشاط، الذي يكون مصدره أحياناً منطقة قشرية صغيرة (المنطقة المولدة للصرع Epileptogenic Zone ) [187]، ينتشر تدريجياً عبر القشرة المخية.
تظهر النوبات بشكل مختلف للغاية، وذلك تبعاً لمنطقة الدماغ التي ينطلق منها التفريغ وطريقة انتشاره. فعلى سبيل المثال، نوبة جزئية موطنة في الفص القذالي ستترجم إلى إدراك بصري غير طبيعي، وإذا انتشرت نحو الأمام، فقد تؤدي إلى ظواهر حركية أو حسية. أما إذا انتشرت إلى كامل الدماغ، فقد تتحول إلى نوبة معممة تونية رمعية Generalized Tonic-Clonic Seizure [31] (الداء الكبير Grand Mal ) [75].
تعد نوبة الصرع ظاهرة ديناميكية للغاية تُفعِّل بشكل غير طبيعي ومتتابع بنى دماغية متنوعة، وبالتالي وظائفها (اللغة، الظواهر الحركية أو الحسية، حركات العين...).
تمتلك العلامات السريرية الأولى قيمة تحديد موضعية كبيرة. فغالباً ما قد تحدث "نسمة" (Aura) [187]، وهي ظاهرة متطابقة دائماً تقريباً لدى الشخص نفسه، تنبئ بقرب حدوث النوبة. وتساهم القدرة على وصفها في تحديد أصل النوبة. عادةً ما يتبع التفريغ المسار نفسه، وبالتالي ستكون العلامات هي نفسها لدى المريض نفسه.
التصنيف:
يمكن التمييز بين عدة أنواع من نوبات الصرع. فهناك على سبيل المثال نوبات تشنجية وأخرى صامتة، ويمكن أن تكون جزئية أو معممة، وقد يصاحبها أو لا يصاحبها فقدان للوعي، كما يمكن أن تكون حركية فقط، أو حسية وتحدث بوعي كامل...
وفقا للأصل:
- نوبة صرعية عرضيةSymptomatic [187]: ثانوية لسبب محدد بدقة (رضوض، أورام...) [187].
- الصرع الأساسي Essential epilepsy [107]: الشكل الأكثر انتشاراً، وهو مجهول السبب (Idiopathic) بدون سبب عضوي ملحوظ؛ وتتعلق الحالة هنا بـ "المرض الصرعي".
- الصرع خفي المنشأ (Cryptogenic): الذي له سبب عضوي بالفعل [145] ولكنه يفلت من الفحوصات [187].
وفقا للمظاهر السريرية:
عندما تأخذ النوبات أصلها من منطقة محددة في الدماغ، تسمى جزئية (بؤرية) [188]. وعندما تأتي من كامل الدماغ، تسمى معممة [67، 187].
النوبات المعممة:
النوبة التوترية الرمعية (الصرع الكبير):
وهي الأكثر شهرة لأنها الأكثر إثارة [107]، وتظهر على شكل سقوط، وفقدان للوعي، وتشنجات تونية رمعية، وعض اللسان، وأحياناً فقدان البول أو البراز... وقد يتعرض صاحبها لإصابات متفاوتة الخطورة، وتتوقف بعد حوالي دقيقة واحدة.
تعد الحالة الصرعية (SE) Status Epilepticus [69] تتابعاً لنوبات صرعية معممة دون انقطاع ودون عودة للوعي، حيث تكون الغيبوبة عميقة مع اضطرابات نباتية شديدة تهدد حياة المريض على الأمد القصير. وهي تمثل حالة علاجية طارئة.
الغياب :
نوبة الغياب (Absence) [188] هي نوع من النوبات المعممة تتضمن تعليقاً وجيزاً للوعي دون أعراض حركية أو حسية أو نباتية. تكون النظرة فارغة وينقطع التواصل لبضع ثوانٍ بين الشخص ومحيطه. تتكرر نوبات الغياب عادةً خلال اليوم، وتتوافق مع ما كان يسمى سابقاً: الداء الصغير [75].
أشكال أخرى من النوبات المعممة:
النوبات الرمعيةClonic ، والميوكلونية (العضلية الرمعية) Myoclonic ، والتونيةTonic ، واللاتونية Atonic .
النوبات الجزئية:
نوبات جزئية بسيطة:
في شكلها الحركي، المسمى برافيه-جاكسون (Bravais-Jacksonian) [189]، تبدأ النوبة بعلامات حركية موطنة تمتد تدريجياً حسب التقدم على مستوى القشرة المحركة الأولية المقابلة [185].
توجد أنواع أخرى من النوبات الجزئية البسيطة غير الحركية مع اضطرابات حسية، أو نباتية عصبيّة، أو نفسية.
النوبات الجزئية المعقدة:
مع اضطرابات في الوعي يصاحبها أو لا يصاحبها حركات آلية (Automatisms) [187].
نوبات جزئية مع تعميم ثانوي:
تبدأ بتفرغ كهربائي بؤري محدد - غالباً ما يُشعر به كـ 'نسمة' (aura)- قبل أن يتطور سريعاً إلى عاصفة كهربائية شاملة تجتاح كلا نصفي الدماغ [183].
التشخيص:
يجب أولاً التأكد من أن الأمر يتعلق بالفعل بالصرع والبحث عن سبب محتمل له. ويجب استبعاد النوبات أو الوعكات التي قد تشبه الصرع [188]: الهستيريا، والوعكات الوعائية المبهمة، وتشنجات حبس النفس، والإغماء، والتكزز، وتشنج العضل (Spasmophilia)... وذلك عبر فحوصات مناسبة.
لإثبات الصرع، يجب غالباً الاعتماد على:
التخطيط الكهربائي للدماغ:
يسمح مخطط كهربية الدماغ (EEG) [5، 185] بإظهار التشوهات بين النوبية (بين النوبات) وأحياناً تسجيل النوبات. والأفضل هو ربط مخطط كهربية الدماغ بتسجيل فيديو [187].
إن وجود مخطط كهربية دماغ طبيعي لا يسمح باستبعاد تشخيص الصرع بشكل قطعي [69]، وعندها يجب تكراره. عندما يكون الصرع شديداً، يجب أحياناً إجراء تسجيل لفترة طويلة مقترن بالفيديو على مدى يوم أو عدة أيام في مركز متخصص.
الفحوصات العصبية الإشعاعية:
ليست ضرورية دائماً [188]. إذا كنا نبحث عن آفة، فإن التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) Magnetic Resonance Imaging يمكن أن يظهر تشوهات لا تستطيع الأشعة العادية أو التصوير المقطعي اكتشافها. ويمكن اقتراح تقنيات تصوير أخرى، إذا كان التفكير في إمكانية جراحية مثلا.
العلاج:
يتطلب علاج الصرع غالباً مقاربة متعددة التخصصات (دوائية، ونفسية، واجتماعية، وأحياناً جراحية) [31].
يتمثل المطلبان الأساسيان للعلاج المضاد للصرع في السيطرة الكاملة على النوبات وغياب الآثار الجانبية. تعتمد الاختيارات العلاجية على تقييم دقيق لنوع النوبة، كما تعتمد أيضاً على الملف النفسي والحالة الطبية والاجتماعية للمريض.
تعتمد الرعاية العلاجية أساساً على الأدوية المضادة للصرع [31] (أو مضادات الاختلاج): الباربيتورات (Barbiturates) (مثل: فينوباربيتال)، والبنزوديازيبينات (Benzodiazepines) (ديازيبام، كلونازيبام)، وفالبوروات الصوديوم، وفينيتوين، وكاربامازيبين...
يكون كل منتج فعالاً بشكل تفضيلي على نوع واحد أو بضعة أنواع من الصرع، وهدفه هو منع حدوث نوبات جديدة، أو تقليل تكرارها.
تعد البنزوديازيبينات الأدوية الإسعافية المرجعية لنوبات الصرع (التشنجات)، أو كذلك للحالة الصرعية.
بالنسبة لبعض أشكال الصرع المقاومة للأدوية، وخاصة الجزئية منها، من الممكن التفكير في تدخل جراحي [188] (استئصال القشرة أو فصم الاتصالات).