المرونة العصبية
"البشر مبرمجون وراثياً، مبرمجون للتعلم" (فرانسوا جاكوب François Jacob ، 1981).
الدماغ مقابل الكمبيوتر:
يُظهِر عمل الجهاز العصبي ونظام الحاسوب عدة أوجه تشابه [118، 228، 229]:
- كلاهما يستخدم إشارة ثنائية أساسية (0-1). في الحواسيب، إما أن يتدفق التيار أو لا يتدفق. في الجهاز العصبي، يتوافق هذا مع قانون الكل أو لا شيء لجهود الفعل.
- كلاهما يتكون من مكون مادي (معدات مادية للكمبيوتر وأعضاء للجهاز العصبي) ومكون برمجي [229] (برامج لأنظمة الحاسوب والوظائف العليا للجهاز العصبي) [228].
ومع ذلك، فإن الجهاز العصبي أقوى بلا حدود على عدة مستويات:
- إذا قارنا الترانزستور (العنصر الأساسي في المعالج الدقيق، وهو مركز الحساب ومعالجة البيانات في الحاسوب) بالمشبك العصبي، حيث يؤدي كلاهما وظائف متشابهة، نجد أن أعلى المعالجات الدقيقة أداءً المصممة اليوم تحتوي فقط على حوالي 3 مليارات ترانزستور [ويكيبيديا، عدد الترانزستورات]. على الرغم من أن هذا العدد يبدو هائلا جدا، إلا أن الجهاز العصبي يمتلك حوالي 100 تريليون تشابك عصبي (100,000,000,000,000) [4، 57] - هذا العدد من الاتصالات العصبية داخل جسم الإنسان أمر مثير للدهشة والإعجاب.
- دماغنا حاسوب خارق لا يدير فقط هذا العدد الهائل من الخلايا العصبية والمشابك العصبية، بل يفعل ذلك بتكلفة طاقة ضئيلة: تقريباً ما يلزم لتشغيل مصباح كهربائي عادي. إذا بنينا حاسوباً فائقاً بنفس عدد الترانزستورات، فسيحتاج إلى ما لا يقل عن 100 ميغاواط من الطاقة للعمل - وهو ما يكفي لتشغيل مدينة كاملة [139]!
- الدماغ لا يتفوق في عدد الاتصالات واستهلاكه المنخفض للطاقة فحسب، بل هو أيضاً أكثر كفاءة في إدارة تلك الروابط. في الدماغ، تعمل هذه القطع بشكل متواز: مليارات الأوامر المعلوماتية تدور في نفس الوقت في كل لحظة. على النقيض من ذلك، تعمل المعالجات الدقيقة عادة في الوضع التسلسلي، حيث تعالج قطعة تلو الأخرى من المعلومات.
- ومع ذلك، فإن أعظم قدرة للجهاز العصبي ليست قوته الخام. القوة الحقيقية والغير قابلة للإنكار للجهاز العصبي هي، وستظل دائماً، مرونته ولدونته. كل يوم، نفقد حوالي 100,000 خلية عصبية [111]، ومع ذلك نستمر في العيش وكأن شيئاً لم يتغير. يرجع ذلك إلى تكوين وصلات جديدة تعوض العجز. على العكس، من الممكن أن يتعطل المعالج الدقيق بعد فقدان ترانزستور واحد.
الاكتشاف:
في عام 1890، لاحظ عالم الفسيولوجيا الروسي الشهير إيفان بافلوف Ivan Pavlov [76] أن الكلاب تميل إلى إفراز اللعاب قبل أن تلامس فعلياً الطعام. قرر أن يحقق في هذا "الإفراز النفسي" بمزيد من التفصيل. أجرى تجربة كان يشير فيها إلى كل وجبة لكلب بصوت جرس. بعد بضعة أيام، بدأ الكلب يفرز لعابه كلما سمع الإشارة. استنتج بافلوف أن ردود الفعل الفسيولوجية يمكن أن تتحفز بواسطة تكييف معين للدماغ، وقدم مفهوم المنعكس الشرطي Conditioned reflex [54].
كان لهذه التجربة تأثير كبير على علم الأعصاب وعلم النفس الحديث. لاحقاً، صاغ تلميذه جيرزي كونورسكي Jerzy Konorski، الذي طور أبحاث بافلوف بشكل أكبر، مصطلح اللدونة العصبية.
نعلم اليوم أن ردود الفعل الشرطية ليست سوى امتدادات لخاصية أساسية وجوهرية في الجهاز العصبي: اللدونة العصبية Neuroplasticity [97].
اللدونة العصبية هي أكثر القدرات الدماغية إثارة للإعجاب؛ فهي القدرة على التغيير والتكيف مع الظروف البيئية والتجربة. بفضل اللدونة العصبية يمكننا الحفظ والنسيان والتعلم والتطور والتعافي من إصابات الدماغ التي قد تكون أحياناً مدمرة.
اكتشاف بافلوف ما هو إلا مجرد مثال واحد على ما يمكن أن يفعله الجهاز العصبي. في الواقع، الجهاز العصبي في حالة من التغير والتطور المستمر، ولا تزال الأبحاث في هذا المجال تثير إنبهارنا كل يوم بالإمكانات المذهلة للدونة العصبية.
بفضل التقنيات الحديثة مثلPositron Emission Tomography PET (تصوير الانبعاث البوزيتروني [67]) والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) Functional Magnetic Resonance Imaging [76]، التي تسمح بتحديد مواقع المناطق الدماغية المسؤولة عن وظائف محددة، ثبت أن كل شخص يمتلك توزيعاً فريداً للمناطق الوظيفية داخل دماغه. ورغم وجود تشابهات واسعة، إلا أن هناك اختلافات قائمة على ماضي كل فرد وخبراته.
على سبيل المثال، لدى عازف الكمان منطقة دماغية أكثر تطوراً للعضلات التي تتحكم في إصبع الخنصر مقارنة بالأصابع الأخرى. وبالمثل، فإن الشخص الكفيف منذ الولادة أو الطفولة الذي يستخدم لغة برايل للقراءة يطور نشاطاً كبيراً في القشرة البصرية، رغم عدم قدرته على الرؤية.
كلما أصبحت منطقة دماغية غير فعالة بسبب آفة في جهاز حسي أو مستجيب، تعيد تخصيص مواردها العصبية لوظائف أخرى. في الدماغ، لا تبقى أي جهة خاملة!
هذا يفسر كيف يمكن للمكفوفين أن يمتلكوا سمعاً ولمساً متطورة للغاية، وكيف يطور الصم والبكم مهارات تواصل بلغة الإشارة مذهلة، وكيف يتمكن أفراد آخرون ذوو إعاقة من التعويض عن ذلك من خلال تطوير قدرات أخرى جديدة. كما أن اللدونة العصبية تفسر كيف يمكننا أن نصبح أكثر ذكاءً مع مرور الوقت، حتى ونحن نفقد عشرات الآلاف من الخلايا العصبية يومياً دون استبدالها.
الآليات:
من أين تأتي هذه المرونة واللدونة في الجهاز العصبي؟
في الواقع، هناك عدة آليات أساسية تحدث على المستويين المحلي والعالمي.
على المستوى المشبكي (اللدونة المشبكية):
إذا تم تحفيز جهد فعل في عصبون ما قبل المشبك وتكرر نفس التحفيز عدة مرات، يلاحظ أن استجابة العصبون بعد المشبك تزداد قوة مع مرور الوقت؛ وبالتالي يحدث تحسن في كفاءة المشبك. إذا تم إعادة تنشيط نفس الخلية العصبية قبل المشبكية بعد بضعة أيام، يتم تسجيل نفس الاستجابة الشديدة بعد التشابك [52].
تسمى هذه الظاهرة التعزيز طويل الأمد (LTP) Long-Term Potentiation [3، 38، 39]. كلما تم استخدام المشبك العصبي بشكل متكرر، يصبح أكثر تفاعلية وكفاءة على مدى فترة طويلة. يحصل ذلك بسبب:
- زيادة إفراز الناقلات العصبية.
- زيادة في عدد مستقبلات ما بعد المشبك أو تغيرات في خصائصها (الفسفرةPhosphorylation )، مما يجعلها تظل مفتوحة لفترة أطول.
- انخفاض في إعادة قبط الناقلات العصبية.
على المستوى الخلوي (اللدونة العصبية):
يمكن للخلية العصبية أن تخلق مشابك عصبية جديدة (تكوين التشابكSynaptogenesis ) أو تعديل بنية الأشواك التغصنية، مما يؤثر على سعة الإثارة المشبكية. يمكن أن تختلف عتبة الإثارة عند ربوة المحوار أيضاً حسب عدة عوامل، خاصة الهرمونية؛ عتبة أعلى تجعل من الصعب توليد جهد الفعل[74].
علاوة على ذلك، رغم استثنائيتها، يمكن أن تحدث مستويات منخفضة من تكوين الأعصابNeurogenesis ، غالباً في الحصين، حيث تولد خلايا عصبية الجديدة بوظائف جديدة.
على مستوى عالي (اللدونة الدماغية):
يمكن أن يحدث إعادة تنظيم للشبكات العصبية وإعادة تدوير اتصالاتها. نذكر العبارة الشهيرة لدونالد هيب [140] (الذي اعتبر أبا اللدونة العصبية في خمسينيات القرن الماضي): "الخلايا العصبية التي تطلق معاً تترابط معاً" [140]. كلما تم تفعيل دائرة عصبية بشكل متكرر، فإنها تشكل شبكة قوية مخصصة لوظيفة محددة [141].
التطبيقات:
تركز دراسات متزايدة على اللدونة العصبية، وذلك لتوضيح آلياتها وحدودها - وقبل كل شيء - مؤهلاتها. اليوم، يمتلك جراحو الأعصاب المعرفة اللازمة للتنبؤ بما إذا كانت وظيفة ما ستتعافى بعد إجراء جراحي في الدماغ.
بدأت هذه المرونة الدماغية تُستغَل في السنوات الأخيرة، خاصة في مجال فقدان الحواس. على سبيل المثال، توجد الآن أجهزة تسمح للأشخاص المصابين بأنواع معينة من العمى بـ "الرؤية" باستخدام اللسان [97، 141]: كاميرات مثبتة على الجبهة تنقل بيانات بصرية إلى جهاز موضوع على اللسان، حيث تتحول إشارات الضوء إلى إشارات ميكانيكية. ونظراً لأن اللسان حساس للغاية، فإنه يسمح للمريض بالتمييز بين "البكسلات الميكانيكية Mechanical pixels ". مع مرور الوقت، يتكيف الدماغ مع هذه الوظيفة الجديدة، وتتولى القشرة البصرية إدراك هذه الوسيلة الحسية الجديدة.
مثال آخر يتعلق بمريضة فقدت إحساسها بالتوازن بسبب السمية التيهية Vestibulotoxicity الناتجة عن المضادات الحيوية. تم تزويدها بجهاز يرسل إشارات اهتزازية منتظمة إلى أرضية الفم بناء على توجهها المكاني. تدريجياً، تكيف دماغها مع هذا الشكل الجديد من الإشارة ودمج وظيفته بنفس الطريقة التي يدمج بها البيانات العصبية من الأذن الداخلية.
تثبت هذه التطبيقات العملية للدونة العصبية في فقدان الحواس مرة أخرى أن الأعضاء الحسية ليست سوى وسائل لاستخراج البيانات من العالم. رغم قوتها وتعقيدها، إلا أن فشلها الطرفي يمكن تجاوزه بوسائل اصطناعية (الاستبدال الحسي [97])، وسيتكيف الدماغ بنجاح مع هذه الأساليب الجديدة.