التصلب المتعدد
التصلب المتعدد (MS) Multiple Sclerosis [41، 69، 86، 187، 212] مرض عصبي التهابي مناعي ذاتي مزمن. هو اعتلال متعدد العوامل ترتبط مظاهره السريرية بزوال النخاعين (Demyelination) [213] من الألياف العصبية للمادة البيضاء في الجهاز العصبي المركزي (الدماغ، والنخاع الشوكي، والعصب البصري، حيث يعد هذا الأخير جزءاً من الجهاز العصبي المركزي [41])
يعد تعريف التصلب المتعدد تشريحياً في المقام الأول، فوصف الآفات هو الذي أكسبه هذا الاسم [74].
الفيزيولوجيا المرضية:
التصلب المتعدد اعتلال مزيل للنخاعين ترتبط أعراضه بتدمير النخاعين (Myelin) [107، 185] مع الحفاظ على المحاور العصبية (الانفصال النخاعيني المحوري Myelin-Axonal Dissociation [31، 36، 107، 179]).
إنه مرض التهابي [182] كما تشهد على ذلك الآفات الحديثة حيث تصاحب الوذمة Edema والارتشاح الالتهابي Inflammatory Infiltrates التحلل النشط لأغماد النخاعين [31]. وفي الآفات الأقدم، نجد الالتهاب في محيط الآفات، أي في مناطق تقدمها: الخلايا اللمفاوية T من نوع (CD4)، ثم البلعاميات والخلايا اللمفاوية B التي تفرز الأجسام المضادة (IgM ثم IgG) [74].
أما الآفات القديمة، فهي مقر لتكاثر الخلايا النجمية (Astrocytes) الذي يميز تصلب النسيج العصبي (اللويحات). وما وصفه شاركو Charcot عام 1868 [214] ليس سوى المرحلة الندبية Scarring Phase للآفات.
تكون اللويحات متعددة ومنتشرة في الجهاز العصبي المركزي. ويمكن أن تصيب أي قطاع من المادة البيضاء، ولكن مع وجود مواقع تفضيلية: جذع الدماغ والمناطق المحيطة بالبطينات [36].
وتتمثل خصوصية هذا المرض في تطوره المتميز بمراحل من الإنتكاسات (Relapses) [178] (عند تشكل منطقة جديدة من زوال النخاعين) والهجوع Remission (عندما تندمل اللويحة) مع إعادة نخاعنة (Remyelination) جزئية [107] وتحسن مذهل للأعراض أحياناً.
أثناء هجمة المرض، يتحطم غمد النخاعين. ويؤدي زوال النخاعين هذا إلى اختلال في التوصيل الكهربائي في المحور العصبي، مما يؤدي إلى علامات سريرية متنوعة تظهر في غضون أيام قليلة.
ولسوء الحظ، مع مرور الوقت، تتراجع وتصح الهجمات الجديدة لكن بشكل أقل جودة، وتنتهي الاختلالات العصبية بعدم التراجع، مما يشكل آفات نهائية.
يتغير إيقاع مراحل الإنتكاسات والهجوع من فرد لآخر، مما يجعل المرض لدى البعض يبقى لفترة طويلة جداً دون تأثير كبير خارج فترات الهجمات، بينما يحدث لدى آخرين تدهور سريع في جودة الحياة مرتبط بهجمات متكررة وقليلة التراجع. كما يوجد شكل تطوري يتمثل في هجمة دائمة.
لدى المرضى الذين يعانون من التصلب المتعدد، تؤدي الحرارة إلى اختلال في التوصيل العصبي وبالتالي تفاقم الأعراض أثناء الهجمات ظاهرة أُتهوف (Uhthoff's Phenomenon) [512].
الأسباب:
يبدو أنه لا يوجد سبب وحيد للتصلب المتعدد، بل يجب التسليم بأنه مرض متعدد العوامل بدأت تظهر أدلة على بعضها: المناعة الذاتية، والعوامل الوراثية، والعوامل البيئية [213] ...
إنه مرض مناعي ذاتي، مرتبط بالنشاط غير الطبيعي لبعض الأجسام المضادة الموجهة ضد غمد النخاعين للألياف العصبية، وينطلق بعد حدث ربما يكون فيروسياً [75]، لدى شخص مهيإ وراثياً للمرض [216].
يتميز التصلب المتعدد بمعدل إصابة مرتفع لدى النساء والبالغين الشباب.
التشخيص:
غالباً ما تشمل العلامات الأولى للمرض انخفاضاً مؤقتاً في حدة الإبصار ومذلاً Paresthesia (تنميل أو وخز) على مستوى الذراعين. وبعد بضع أيام، تختفي هذه الأعراض، ثم يستقر شفع Diplopia واضطرابات في التوازن.
يمكن للمرضى المصابين بالتصلب المتعدد أن يظهروا اضطرابات حركية (ضعف عضلي، وانقباضات وتشنجات عضلية، وشلل في طرف أو أكثر، ورنحAtaxia ، واضطرابات في الكلام أو الكتابة) تصاحبها أحياناً اضطرابات حسية (تنميل، وأحاسيس غير طبيعية في جزء من الجسم، وفي الأطراف، وفي اليدين والقدمين والوجه، وآلام، وصداع منتشر، ودوار، وفقدان توازن).
لا يوجد اختبار نوعي للتصلب المتعدد [212]. وتسمح الفحوصات الحديثة بالتشخيص المبكر ولكن غالباً ما تكون البيانات السريرية كافية بشكل عام: فالتطور عبر هجمات متتابعة يوحي بشدة بالتشخيص. ويلزم مرور مدة 24 ساعة للحديث عن هجمة.
يعد الإنتشار Dissemination In Space المعيار الثاني [212]، حيث يجب إثبات أن المريض يعاني من آفتين على الأقل في الجهاز العصبي المركزي. والحالة السريرية المثالية التي تسمح بالتشخيص هي الإصابة المتزامنة للمحور العصبي والعصب البصري. وفي الحالات الأخرى، يلزم اللجوء إلى الفحوصات التكميلية لإثبات هذا التعدد البؤري. مع العلم أن الآفات التي يتم إظهارها غالباً ما تكون أكثر تشتتاً مما توحي به الحالة السريرية.
يعد تحليل السائل الدماغي الشوكي [91، 215] ذا فائدة تشخيصية قيمة عندما يظهر وجود التهاب.
تسمح الكمونات المستثارة (EP) Evoked Potentials [31، 216] البصرية، والسمعية، والحسية، ومؤخراً الكمونات المستثارة الحركية بالكشف عن معاناة تحت سريرية Subclinical للمسارات المحورية المتؤثرة. الهدف هو إظهار التعدد البؤري للآفات. إذا كانت الحالة السريرية وحدها تسمح بتحقيق هذا الهدف، فلا فائدة من إجرائها.
التصوير بالرنين المغناطيسي [183] هو الفحص المختار الثاني، حيث يسمح بإظهار التعدد البؤري للآفات بشكل مبكر حتى قبل بدء ظهور الأعراض [215].
العلاج:
يهدف علاج التصلب المتعدد إلى تحقيق هدفين: إبطاء تقدم المرض وإراحة المريض. ومع ذلك، لا يزال من المستحيل الشفاء من التصلب المتعدد [217].
لذلك فإن العلاج يكون عرضياً [216] على الرغم من أنه يمكن أن يؤثر على تطور المرض: الكورتيكوستيرويدات، ومثبطات المناعة، ومضادات التشنج، ومرخيات العضلات، ومضادات الاكتئاب، والإنترفيرون بيتا...
يصاحب العلاج الدوائي راحة، وجلسات علاج طبيعي، وتدليك علاجي، وإعادة تأهيل (علاج وظيفي، وعلاج طبيعي).
يجب أن نظل موضوعيين تجاه فاعلية العلاجات، لا سيما في بداية المرض، مع مراعاة الطابع التراجعي التلقائي للهجمات.
بالنسبة للأشخاص المصابين بالمرض، من الممكن كبح ظهور الأعراض عن طريق الحصول على قسط كافٍ من الراحة [212]، وتجنب مصادر التوتر والتقليل من التعرض للحرارة والشمس، وممارسة التمارين بانتظام والحفاظ على نظام غذائي صحي ومتوازن.