الذاكرة والتعلم
تلعب الذاكرة دوراً جوهريا في حياتنا [3]. بدون ذاكرة لن يكون للحياة أي معنى. الذاكرة هي وسيلة التموضع في الزمن، إنها النسيج الذي يشكل تاريخ كل فرد.
تعريفات:
تُعرَّف الذاكرة بأنها القدرة على التقاط، وترميز، وحفظ، واستعادة المعلومات [4].
غالباً ما يتم الخلط بين الذاكرة Memory والتعلمLearning . ورغم أن هاتين العمليتين مرتبطتان غالباً، فمن المفيد التذكير بأن التعلم [1] لا ينطبق بشكل أساسي إلا على مرحلة اكتساب وتخزين الذكريات.
يتضمن الاستدعاء (Recall) استعادة نشطة للمعلومة، في حين أن التَّعرُّف (Recognition) يتطلب فقط تقرير ما إذا كان شيء ما من بين أشياء أخرى قد تمت مصادفته مسبقاً [119].
تصنيفات:
مفهوم الذاكرة، الشائع جداً، هو في الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو عليه. تقنيا، نميز عدة أنواع من الذاكرة [38، 135]:
حسب الزمن:
الذاكرة الحسية:
هذه الذاكرة Sensory memory [145] ذات مدة قصيرة للغاية، وهي ليست سوى إدراكنا للأشياء وللأحداث. إنها الصدى والرنين الداخلي للمعلومات الحسية التي تستمر لبضعة أجزاء من الثانية في وعينا.
الذاكرة قصيرة المدى:
وتسمى Short-term memory[161] أيضاً (ذاكرة العمل Working Memory [163])، وتشكل مستوى من الترشيح الانتقائي للمعلومات Selective Filtering التي تجمعها حواسنا لمدة تصل إلى دقيقة تقريبا [164]. تسمح لنا بالاحتفاظ ببعض العناصر، في المتوسط 7 بيانات: رقم هاتف على سبيل المثال [42]، وهي بيانات نعمل بها (ومن هنا جاء اسمها). ويمكن لهذه البيانات، حسب أهميتها، أن تنتقل أو لا إلى مستوى آخر للتخزين الطويل الأمد.
الذاكرة طويلة المدى:
تضمن الذاكرة الطويلة المدى Long-term memory [165] حفظ الذكريات لمدة طويلة، أشهر، أو سنوات، أو حتى مدى الحياة.
حسب نوع المعلومات المخزنة:
حسب نوع البيانات المراد حفظها [39]، قد يتعلق الأمر بـ:
ذاكرة صريحة:
تسمى Explicit Memory [165] أيضاً الذاكرة التقريرية (Declarative Memory) [167]، تتعلق بالبيانات التي يمكننا التعبير عنها بالكلمات. ونميز منها:
- الذاكرة الدلالية (Semantic Memory) [164] التي تتعلق بحفظ الأشياء والأمور المحددة بدقة.
- الذاكرة العرضية (Episodic Memory) [145] التي تتعلق بأحداث محددة الموقع جيداً في الزمن.
الذاكرة الضمنية :
تسمى(Implicit Memory) [166] أيضاً الذاكرة الإجرائية (Procedural Memory) [165]، وهي ذاكرة حركية بالأساس تتعلق بالمهارات. تتكون من أَتمَتَة حسية-حركية مدمجة بشكل جيد لدرجة أننا لا نعي بها. على سبيل المثال، بالنسبة لشخص يعرف كيفية إجراء خياطة الجروح، سيجد صعوبة في شرح الطريقة باستخدام الكلمات فقط. جزء كبير من تكييفنا العاطفي ومن منعكساتنا الشرطية يشكل أيضاً جزءاً من الذاكرة الضمنية.
كفاءة الذاكرة:
طبيعة الذاكرة:
ذاكرتنا ترابطية (Associative) [119]، هذا يعني أنها تكون أكثر فعالية كلما قمنا بربط البيانات المراد حفظها بعناصر مسجلة مسبقاً في أذهاننا؛ فشيء ما يذكرنا بآخر، والذي يذكرنا بغيره، وهكذا دواليك.
الذاكرة هي ثمرة إعادة بناء لعناصر مختلفة. نحن لا نسجل مشاهد كاملة في أدمغتنا. علاوة على ذلك، لا توجد أي ذكرى مطابقة تماماً لأصلها مثل الصورة الفوتوغرافية، ذلك سيشكل الكثير من المعلومات للحفظ وجماجمنا غير قابلة للتمدد للأسف.
ذاكرتنا لا تحتفظ إلا ببعض قطع الأحجية، بعض فتات الخبز التي ستساعدنا لاحقاً على إعادة بناء واستعادة الذكريات انطلاقاً من عناصر مفتاحية مختلفة.
العوامل المؤثرة في الذاكرة:
تؤثر عدة عوامل في كفاءة الذاكرة [168]:
- درجة اليقظة، والصحو، والانتباه، والتركيز في لحظة الحفظ.
- الاهتمام، والدافع، والحاجة، أو ضرورة العناصر المراد تذكرها.
- التكرار.
- المكان، والإضاءة، والرائحة، والضوضاء... باختصار، يتم تسجيل كل السياق الموجود أثناء الحفظ مع البيانات المراد حفظها.
- جهد الحفظ، ومن هنا جاء التعبير (ذاكرة العمل). إن تشغيل الذاكرة يعني إعطاء معنى للعناصر المراد حفظها وإجراء روابط منطقية مع ما اكتسبناه مسبقاً. كلما كانت الذكرى مرمزة، ومعدة، ومنظمة، ومهيكلة، كان استرجاعها أسهل.
آليات الذاكرة:
تلعب عدة بنيات عصبية دوراً جوهرياً في الذاكرة:
يلعب الحصين (Hippocampus) [54] دوراً مفتاحياً في الذاكرة العرضية. فهو يسمح بجمع البيانات باستمرار من مختلف الباحات الحسية (البصرية، والسمعية، والحسية الجسدية...)، واختيار أكثرها تأثيراً، وربطها في حلقة واحدة من الأحداث بدلاً من أن تظل مجموعة من الذكريات المنفصلة، وإعادة توزيعها على الباحات المناسبة.
فمثلا كدليل على ذلك، ليس بإمكان الأشخاص الذين خضعوا لاستئصال كلا الحصينين تسجيل ذكريات جديدة في ذاكرتهم طويلة المدى [167]، لكنهم يحتفظون بقدرتهم على تذكر المعطيات القديمة التي سبقت التدخل الجراحي.
تضم بعض الذكريات الشخصية الشديدة جداً ما يسمى بالذاكرة العاطفية (Emotional Memory) [169]. وتستلزم هذه الأخيرة، بالإضافة إلى الحصين، بنية أخرى من الجهاز الحوفي: اللوزة (Amygdala) [39]، وهي منطقة معروفة بإدارة ردود أفعال الخوف لدينا. تساهم عدة بنيات أخرى من الجهاز الحوفي في ترميز ذكرياتنا بشكل دائم.
يتبع مسار معلومة مراد حفظها على المدى الطويل دائرة بابيز (Papez Circuit) [38، 50]، وتربط هذه الدائرة بين الحصين، والقبو (Fornix)، والأجسام الحلمية (Mammillary Bodies)، والمهاد الأمامي، والتلفيف الحزامي (Cingulate Gyrus).
لا تستدعي الذاكرة الإجرائية الحصين على الإطلاق. بل ترتبط بتعديلات في المخيخ [1]، والعقد القاعدية، والقشرة الحركية.
تلعب القشرة أمام الجبهية دوراً جوهرياً في ذاكرة العمل [1].
لا يحتوي أي عصبون معزول في حد ذاته على المعلومة اللازمة لاستعادة ذكرى ما. يحتفظ الدماغ بالبيانات بفضل تشكيل شبكات جديدة. هذه الشبكات قابلة للتعديل بفضل تشكيل مشابك جديدة أو تعزيز أخرى. ربما كانت هذه المشابك موجودة من قبل، لكن عملها كان غير فعال.
يلعب التعزيز طويل الأمد (Long Term Potentiation - LTP) [3، 38، 39]، وهو الآلية الرئيسية للمرونة العصبية (Neuroplasticity)، دوراً أساسياً في تشكيل وفعالية هذه المشابك.