الوعي
"الوعي بالنسبة لعالم النفس هو ما تمثله الجاذبية بالنسبة لعالم الفيزياء: أمر لا مفر منه." (Baars).
إشكاليات الوعي:
يعد الوعي Consciousness [73، 119، 133] موضوعاً شديد الصعوبة للدراسة لعدة أسباب [119]. أولاً، لوجود تعريفات متعددة للوعي، حيث نستخدم كلمة الوعي في سياقات وتفسيرات متباينة [164]. ثانياً، لأنه يشمل تدخل العديد من البنى الدماغية (Encephalic Structures) [166] ووظائف عليا أخرى مثل الذاكرة [73] واللغة [170].
وينضاف عنصر آخر إلى تعقيد هذا الموضوع، وهو أن الوعي تجربة ذاتية بحتة [166]، وبالتالي لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال الشخص الذي يختبره؛ لذا يجب أن تتم دراسته عبر أشخاص، ولا يساهم النموذج الحيواني إلا بقدر ضئيل جداً لأننا لا نعرف حتى الآن على وجه اليقين شكل الوعي الذي يمكن نسبته إليها [41].
عموميات:
تعريف:
يمكن للوعي أن يحدد عدة أشياء:
- القدرة على تركيز انتباه المرء؛
- حالة اليقظة؛
- ملكة التجريد (Abstraction)؛
- ملكة التعبير اللفظي، أي التعبير عن الأحداث من خلال الكلمات؛
- القدرة على التخطيط وصياغة المشاريع وإنشاء علاقات ذهنية جديدة انطلاقاً من التجارب الماضية؛
- الوعي بالذات؛
- ملكة وضع القيم...
اللاوعي:
إن الحديث عن الدماغ والوعي يقودنا للحديث عن اللاوعي. يمتلك الدماغ في الواقع عدداً كبيراً من الدوائر المتخصصة التي تعالج في كل لحظة حوالي مليار معلومة في الثانية تقريبا حول جوانب مختلفة من بيئتنا [142]. لايتجلى في وعينا سوى كمية ضئيلة للغاية من هذه البيانات.
النوم:
ليست كل حالة انقطاع للوعي حالة مرضية. فعلى عكس حالات الغيبوبة [57]، أو الإغماء (Syncope)، أو الغشيان (Lipothymia) التي لها بالتأكيد أصول مرضية، يشكل النوم حالة انقطاع فسيولوجي للوعي، وهو أمر مثير جداً للاهتمام في دراسته [91، 119].
التصنيف:
نميز بين شكلين من الوعي: ما يسمى بالوعي الأولي [170] المسؤول عن اليقظة أو حالة التنبه، والذي يُعرف أساساً بنقيضه (فقدان الوعي)، والوعي من مرتبة أعلى [171] مثل تعريف الذات وتمييزها، وهو أمر يصعب دراسته وتفسيره.
لقد كان تناول مفهوم الذات دائماً من نتاج عمل الفلاسفة وعلماء النفس، وهو موضوع لعدة دراسات منذ مدة ليست بالقصيرة، والتي لم تجمع بعد على استنتاجات موحدة.
لذلك، من الضروري تحديد مستوى الوعي الذي نتحدث عنه بدقة عندما نحاول ربطه بأي بنى دماغية.
الآليات:
يُفعل الوعي الذاكرة قصيرة المدى، فالعمليات التي تتطور في الذاكرة طويلة المدى لا تصل إلى الوعي إلا بعد مرورها عبر الذاكرة قصيرة المدى [133].
العديد من البنى الدماغية التي تتحكم في الوعي بمعناه المرتبط باليقظة معروفة جيداً.
أولاً، التشكيل الشبكي Reticular Formation [38، 42، 57]، الذي يؤثر مستوى نشاطه على حالة التيقظ واليقظة والنوم لدينا. فكون المرء مستيقظاً يتطلب تفاعلاً بين التشكيل الشبكي وبنى دماغية أخرى، لا سيما القشرة المخية. لهذا السبب، تُسمى المسارات الصاعدة للتشكيل الشبكي: الجهاز الشبكي المنشط الصاعد (ARAS) Ascending Reticular Activating System [45].
ثم المهاد (Thalamus)، وهو محطة الفرز لجميع الإشارات القادمة من الجسم [38]. وأخيراً القشرة المخية [44]، التي تكتسي أهمية بالغة لجميع أشكال الإدراك والتحكم في الحركات الإرادية [73].
كما تعد القنطرة (Pons) [166]، ونوى الرفاء (Raphe Nuclei)، والموضع الأزرق (Locus Coeruleus) بنىً مشاركة أيضاً في الحفاظ على الوعي الأولي [41].
لكي يكون هناك وعي، يبدو أنه يجب أن يكون هناك تبادل أو رنين بين مناطق مختلفة من الدماغ. وبفضل تقنيات التصوير الدماغي الوظيفي (fMRI) Functional Magnetic Resonance Imaging، يمكننا رؤية المراحل التي تؤدي إلى ظهور صورة ذهنية واعية.
متلازمة الانفصال الثفني:
مما لا شك فيه أن التجربة الأكثر تأثيراً في تاريخ دراسة الوعي هي دراسة متلازمة الانفصال الثفني (Callosal Disconnection Syndrome) [133].
في حالات الصرع المستعصية على أي علاج دوائي والتي تنتشر في كلا نصفي الكرة المخية، يتم أحياناً إجراء قطع للجسم الثفني (Corpus Callosum).
على الرغم من أن الأمر يتعلق بحوالي 200 مليون ليف عصبي [39، 80] مقطوع، إلا أن المرضى لا يشعرون بعد العملية بأي عجز ملحوظ. لكن التجارب المعقدة تلاحظ شيئاً مذهلاً؛ حيث يطور كل نصف كرة مخية وعياً خاصاً ومستقلاً عن نصف الكرة الآخر [73]!
إذا وضعنا جسماً في اليد اليسرى للشخص المعني مع عصب عينيه، فإنه لا يتعرف لفظيا على الجسم لأن منطقة اللغة، الموجودة في نصف الكرة الأيسر، لا يمكنها الوصول إلى المعلومات الحسية التي تنتهي في حالة اليد اليسرى في نصف الكرة الأيمن، ومع ذلك ينجح الشخص في رسم الجسم بيده اليسرى [39، 166]!
تفسير هذه الظاهرة في أن الوعي ليس كتلة واحدة صماء، بل هو نتاج تنسيق مستمر بين نصفي الكرة المخية؛ فحين انقطع الاتصال بينهما، تكشّف أن نصف الكرة الأيسر يعمل كـ «مُفسر» لغوي ومنطقي، يمتلك القدرة على التحدث وتسمية الأشياء، بينما بالرغم من إدراك نصف الدماغ الأيمن لشكل الجسم، فإنه يظل «صامتاً» لغوياً لأنه لا يمتلك باحة لغوية.
في هذه الحالة، عندما شعرت اليد اليسرى (المرتبطة بالنصف الأيمن) الجسم، استوعبه الدماغ الأيمن واستطاعت اليد اليسرى رسمه، لكن «المتحدث» في النصف الأيسر ظل معزولاً عن هذه الخبرة، فأنكر معرفته بها.
تضعنا هذه النتائج أمام حقيقة مذهلة: وهي أن شعورنا بوجود «أنا» واحدة موحدة قد يكون في جوهره وهماً ناتجاً عن سرعة تدفق المعلومات عبر الجسم الثفني، والتي تدمج خبرات كيانين واعيين في سردية واحدة متصلة.