مقدمة

"التعليم ليس ملء وعاء، بل إيقاد شعلة، "، سقراط.

الجهاز العصبي (خاصة البشري) هو بلا شك أكثر الأجسام تعقيداً وإثارة للاهتمام في الكون المعروف حتى الآن. هو أساس هويتنا، أفكارنا، ذاكرتنا، مشاعرنا، وكل الأحاسيس التي نعيشها كل لحظة.

يسمح لنا الجهاز العصبي بالرؤية والسماع والشم واكتشاف العالم والبيئة التي ننتمي إليها. كما يسمح لنا بالتأثير في هذه البيئة: فهو يمكننا من البناء، التحرك، الأكل، التكيف، وتوسيع قدراتنا من أجل استيعاب أدق الجسيمات الصغيرة والهياكل الهائلة الواسعة في الكون الفسيح.

جميع الأعضاء الأخرى للجسم هي في خدمة الجهاز العصبي: يزوده الجهاز الهضمي بالمغذيات، والرئتان تزودانه بالأكسجين، ويضمن الجهاز القلبي الوعائي توصيل هذه الموارد، والكلى تنقي الدم من السموم التي قد تضره. كل عضو في الجسم يخدم الجهاز العصبي بطريقة أو بأخرى، لأنه إذا توقف، فإن الحياة كلها تذهب معه.

منذ فجر التاريخ، كانت البشرية تبحث عن إجابات لعدة أسئلة حول الفكر واللغة والذاكرة والمشاعر. في غياب الموارد، كانت الإجابات غالباً مضللة. اليوم، مع بلوغ تطور العلوم والتكنولوجيا ذروتها، لدينا بعض الإجابات الأولية القوية حول كيفية عمل هذه الآلة البشرية المذهلة.

للأسف، الجهاز العصبي، رغم استثنائيته وروعته، ليس معصوماً من الخطأ. أحياناً نرى نقصانا في كفاءته وتراجعاً في قدراته. ورغم أن الأمر قد يبدو متناقضاً، إلا أن هذه الاختلالات هي التي مكنتنا إلى حد كبير من اكتشاف كيفية عمل الجهاز العصبي.

على مدار تاريخ الطب، وصف الباحثون والأطباء الأمراض والاضطرابات العصبية لدى الأفراد؛ بعد وفاتهم، فحصوا الأجساد لمعرفة ما هو متغير، لأن التشوهات التشريحية في مناطق معينة أعطت العديد من التلميحات حول أدوارها في وظائف محددة - وظائف مثل اللغة، الذاكرة، والمشاعر. مع ذلك، كانت هذه الطرق غير عملية، إذ لم يكن بالإمكان التعرف على الخلل إلا بعد وفاة الفرد.

فسيولوجيا المقارنة Comparative physiology مع الحيوانات الأخرى كانت دائماً مساهماً رئيسياً.

لكن ما كان بلا شك الأكثر بروزاً في العلم الحديث بهذا المعنى هو تطوير طرق ووسائل بحث متقدمة للغاية: المجهر الضوئي والإلكتروني، تقنيات التلوين، التصوير الطبي (وخاصة التصوير الوظيفي)، وتطوير الفيزيولوجيا العصبية، وغيرها.

كل هذه الوسائل، وخاصة الأشخاص المتفانون الذين عملوا بجد لطرح الأسئلة وإيجاد إجابات لها، سمحت لنا بمعرفة الكثير عن الجهاز العصبي اليوم.

فهم كيفية عمل الجهاز العصبي وآليات اضطراباته يوفر نظرة ثاقبة لكيفية إجراء الأبحاث، أو على الأقل، لإيجاد علاجات فعالة للأمراض العصبية المروعة والمدمرة مثل باركنسون والزهايمر.