اللغة
"بالاقتصار على الدراسة الفسيولوجية البحتة للغة، فإننا نغامر بألا نتمكن أبداً من النفاذ إلى تلك الملكة الداخلية التي تعد اللغة مظهرها أو علامتها الخارجية" (Müller، 1861).
تعد اللغة [3، 4، 57] الوظيفة التي تسمح لنا بالتواصل مع الآخر. وسواء كانت منطوقة أو مكتوبة أو لغة إشارة، فإن التواصل يلعب دوراً محوريا في حياتنا. بفضل اللغة يمكننا التعبير عن أفكارنا واحتياجاتنا ورغباتنا، كما يمكننا إخبار الآخر وإعلام أنفسنا بالتهديدات أو الأخطار المحتملة.
لولا اللغة، لما كان لا تاريخ ولا تقدّم... باختصار، تقع اللغة في قلب، بل وعلى قمة الوظائف المعرفية (Cognitive Functions) الأكثر أهمية للإنسان [5].
اللغة واللغات:
اللغة هي ملكتنا في ترميز العناصر المجردة أو الملموسة من خلال تسلسل من الإشارات والرموز المفهومة من قبل الآخرين. تتم برمجة هذه الإشارات بطريقة دقيقة من أجل تشكيل تعبيرات ذات معنى.
تشكل مجموع هذه الإشارات وقواعد هيكلتها ما يعرف بـ "لغة". يوجد اليوم أكثر من 6.000 لغة عبر الكوكب [173]، منها 1.000 لغة في غينيا الجديدة وحدهـا [174]!
عدد الرموز والكلمات في لغة معينة ليس لانهائياً، ومع ذلك، وبفضل تركيباتها المختلفة في جمل، يمكننا تشكيل عدد لا نهائي من التعبيرات. هذا يشهد على القوة الهائلة للغة.
قدرة الدماغ على التعرف على كلمات محددة في التدفق اللفظي لشخص ما هي أمر لافت للنظر للغاية. يكفي الاستماع إلى لغة أجنبية بالنسبة لنا لإدراك مدى صعوبة عزل عناصرها المكونة. فالشخص الذي يتحدث بلغته لا يعزل الكلمات بين فترات صمت، مثل المسافات التي تفصل بين الكلمات المكتوبة، ومع ذلك، فإن دماغنا يتعرف عليها بشكل فردي ويمنحها معنى.
الجهاز الصوتي:
لكي نتمكن من الكلام، نمتلك جهازاً صوتياً (Phonatory Apparatus) متطوراً للغاية [175]. يمكن تشبيه الجهاز الصوتي البشري بآلة موسيقية نفخية ووترية في آن واحد [175]. فهو يشتمل على انبعاث الهواء: الرئتان (المولد)، وبنية تهتز: الحبال الصوتية في الحنجرة (الهزاز)، وسلسلة من صناديق الرنين التي يشكلها البلعوم والفم والفجوات الأنفية (الرنان أو المضخم). ثم يكتمل تحول الصوت الحنجري إلى كلام من خلال وضعية شراع الحنك (Soft Palate)، واللسان، والشفاه، والأسنان التي تعمل كـ (معدلات) للصوت المنبعث.
الباحات الدماغية للغة:
توجد منطقتان دماغيتان مشاركتان بقوة في اللغة: باحة فيرنيكه وباحة بروكا [41، 74].
باحة فيرنيكه:
تقع هذه الباحة (Wernicke's Area) في الفص الصدغي بجوار القشرة السمعية (Auditory Cortex) الأولية والثانوية مباشرة. وهي تضمن فهم عناصر اللغة. تستقبل باحة فيرنيكه المعلومات من الباحة السمعية الخاصة باللغة المنطوقة، وتقوم بتحليلها وإرسال سيالات نحو باحة بروكا عن طريق الحزمة المقوسة.
الحزمة المقوسة:
أظهرت دراسات حديثة أن الحزمة المقوسة (Arcuate Fasciculus) تربط باحة فيرنيكه بمنطقة القشرة المحركة الأولية [198] الواقعة خلف باحة بروكا بدلاً من أن تنتهي فيها مباشرة. إن الجزء الجانبي من الحزمة الطولانية العلوية (Superior Longitudinal Fasciculus) هو الذي يربط باحة فيرنيكه بباحة بروكا عبر التلفيف فوق الهامشي (Supramarginal Gyrus) [198].
باحة بروكا:
تقع باحة بروكا (Broca's Area) في الفص الجبهي، وهي مسؤولة عن التعبير اللغوي. وهي مرتبطة بالباحة المحركة الرئيسية التي تتحكم في انقباضات مختلف عضلات الجسم، لا سيما عضلات الحنجرة المشاركة في الكلام.
الجانبية الدماغية:
تكون اللغة في أغلب الأحيان تحت سيطرة واحد فقط من نصفي الكرة المخية [41]، والذي يوصف بنصف الكرة المهيمن [50]. وتعد هذه الظاهرة أحد جوانب عدم التماثل العام في الأداء الدماغي والتي تسمى: الجانبية الدماغية (Cerebral Lateralization) [166].
نصف الكرة المهيمن هو الأيسر دائماً تقريباً (في 90% من الحالات [96]) لدى الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليمنى. أما لدى العُسر (مستخدمي اليد اليسرى)، فإن الفسيولوجيا الدماغية تكون أكثر تغيراً وأقل معرفة حسب الأفراد: فغالباً ما يكون نصف الكرة المهيمن هو الأيسر، ولكن أحياناً يكون الأيمن، وفي حالات أخرى، يبدو أن الجانبية تكون أقل وضوحاً وأن نصفي الكرة المخية يكونان أكثر توازناً [4].
ومع ذلك، فإن هذه الرؤية القاطعة لوجود نصف كرة مهيمن للغة بعيدة كل البعد عن كونها مطلقة. فقد أثبتت دراسات حديثة الدور المهم لنصف الكرة الأيمن في النبرة الكلامية أو العروض (Prosody) [41]، وهي الملكة التي يمكننا من خلالها صياغة الجملة نفسها بطرق متنوعة ليكون لها معانٍ مختلفة تماماً؛ فهي تسمح بتحويل التقرير إلى أمر أو أمنية أو سؤال.